برنت يقارب 98 دولاراً مع مخاوف من قيود إيران على مضيق هرمز

The Verificat + رويترز

البرميل يسعّر الخطر قبل انقطاع الإمدادات

ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوى في ستة أسابيع مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث بدت الأسواق وهي تضيف علاوة للخوف تعكس احتمال توسع القتال قبل أن يظهر نقص مادي واسع ومؤكد في الإمدادات.

وبحلول تعاملات السابع من سبتمبر، ارتفع خام برنت إلى نحو 97.31 دولاراً للبرميل بعد أن لامس خلال الجلسة 98.06 دولاراً، وهو أعلى مستوى له منذ 24 يوليو، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى نحو 92.65 دولاراً.

جاء هذا الارتفاع عقب جولة جديدة من المواجهات البحرية والتهديدات المتبادلة، بالتزامن مع إعلان إيران نيتها فرض منطقة إضافية مقيدة للملاحة قرب مضيق هرمز وتحذيرها من إمكان استهداف منشآت طاقة في المنطقة رداً على أي ضربات أميركية جديدة.

المؤكد حتى الآن أن علاوة المخاطر الجيوسياسية ارتفعت بقوة. أما حجم النقص الفعلي في صادرات النفط العالمية، فلا يزال أقل وضوحاً من حركة الأسعار نفسها.

وهذه نقطة أساسية: السوق لا تنتظر أن تختفي ملايين البراميل فعلياً قبل التحرك، بل تسعّر احتمال اختفائها.

برنت يقارب 98 دولاراً مع مخاوف من قيود إيران على مضيق هرمز

الخوف نفسه أصبح سلعة

أسعار الطاقة تعكس اليوم ليس فقط ما هو متاح حالياً من نفط، بل أيضاً احتمالات تعطّل الإمدادات مستقبلاً.

عندما تُستهدف ناقلة، أو تتعرض سفينة حربية لهجوم، أو تعلن دولة منطقة بحرية مقيدة، تتولد فوراً سلسلة حسابات لدى المتعاملين: هل ستتأخر الشحنات؟ هل سترفع شركات التأمين أقساطها؟ هل تحتاج السفن لمسارات أطول؟ وهل يمكن أن تتعرض منشآت إنتاج أو تصدير للخطر؟

كل هذه الأسئلة تضيف إلى ما يُعرف في السوق بـعلاوة المخاطر الجيوسياسية، وهذا يفسر كيف يمكن للنفط أن يرتفع قبل وقوع انقطاع كبير في الإنتاج.

والأزمة الحالية تبدو أكثر حساسية لأن التوتر يتركز حول الخليج ومضيق هرمز، أحد أبرز ممرات تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي تهديد للملاحة قابلاً للتحول سريعاً من خبر عسكري إلى صدمة في الأسواق المالية.

هرمز يعيد كتابة حسابات السوق

تتجه الآن أنظار المتعاملين ليس فقط إلى مستوى الإنتاج الإيراني، بل إلى قدرة الناقلات على الحركة عبر المنطقة بأكملها.

التطورات الأخيرة أدت إلى تراجع حركة الشحن عبر المضيق ورفع مستوى المخاطر المرتبطة بالنقل البحري، فيما لوّحت إيران بمزيد من القيود على المرور.

وبمعنى آخر، المشكلة المحتملة لم تعد تقتصر على كمّيّة النفط المنتَجة بل تشمل إمكانية الوصول إليه ونقله وتأمينه وتسليمه.

فالخام في الخزانات لا يفعل دوره الاقتصادي إذا طال وقت نقله أو أصبح محفوفاً بمخاطر أو تكاليف أعلى.

ومن هنا دخل التأمين البحري كجزء من “سعر الحرب”.

أوبك+ تختار الانتظار

وسط هذه الأجواء، قررت مجموعة أوبك+ في اجتماعها في السادس من سبتمبر الإبقاء على سياسة الإنتاج الحالية لشهر أكتوبر من دون تغيير، بدلاً من ضخ كميات إضافية عاجلاً إلى السوق.

القرار حمل رسالة حذرة: المنتجون لا يريدون الاستجابة السريعة لاعتماد زيادات على أساس ارتفاعات قد تكون ناجمة جزئياً عن مخاوف مؤقتة، كما أن رفع الحصص الاسمية لا يضمن وصل براميل إضافية فعلية إلى السوق.

وتُظهر بيانات الإنتاج أن المجموعة لا تزال تواجه فجوة بين بعض الأهداف المعلنة والإنتاج الفعلي، بينما تتجه الأنظار كذلك إلى إعادة تقييم قدرات الدول الأعضاء قبل تحديد حصص 2027.

بالتالي بدا أن أوبك+ اختارت مراقبة الصدمة بدلاً من محاولة إخمادها فوراً، لكن هذا الحساب قد يتغير سريعاً إذا تحولت المخاطر الجيوسياسية إلى فقدان مستمر للإمدادات.

المخزونات الأميركية لا تمنح السوق راحة كاملة

حالة مخزونات الوقود في الولايات المتحدة تزيد من حساسية المشهد.

فبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أظهرت انخفاض مخزونات الخام بمقدار 4.5 ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 28 أغسطس إلى نحو 424.5 مليون برميل، بالتزامن مع نشاط قوي للمصافي وارتفاع الصادرات. كما تراجعت مخزونات البنزين، بينما بقيت مخزونات المقطرات في مناطق معينة، وخصوصاً الساحل الشرقي، عند مستويات شديدة الانخفاض.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الديزل الأميركية إلى مستويات قياسية، وسط ضغوط ناجمة عن اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وهجمات أوكرانية على مصافي روسية.

مع هذه الخلفية تصبح الأسواق أقل قدرة على استيعاب أي تهديد جديد بهدوء؛ فكلما كانت مخزونات المنتجات منخفضة، تقل المسافة الفاصلة بين أزمة في الأسواق العالمية وارتفاع محسوس في أسعار الوقود للمستهلك.

الحرب تصل إلى الشاحنات والطائرات والمصانع

تأثير ارتفاع أسعار النفط يتجاوز محطات الوقود ليشمل النقل البري والطيران والشحن البحري والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

تبدأ الضغوط أولاً في زيادة تكاليف الوقود والتأمين لشركات الشحن، ثم تنتقل إلى المصانع التي تدفع أكثر للطاقة والنقل، ويعاني المستوردون من تكاليف أعلى لوصول البضائع، وفي النهاية يعيد التاجر تسعير السلع.

وهكذا يمكن لارتفاع مستمر في أسعار الطاقة أن يترجم إلى موجة تضخمية أوسع، حتى عندما لا يكون النفط مكوناً مباشراً في المنتج النهائي.

وقد بدأت هذه المخاوف بالفعل تضغط على الأسواق، إذ أعاد ارتفاع أسعار النفط إشعال القلق من التضخم وإمكانية إبقاء البنوك المركزية لسياسات نقدية أكثر تشدداً.

المنتجات المكررة ترسل إنذاراً أشد

أحد الأخطار الأوضح في السوق لا يكمن بالضرورة في خام برنت نفسه، بل في بعض المنتجات المكررة التي تشهد ارتفاعات أسرع بسبب أضرار بمصافٍ في روسيا والشرق الأوسط واضطراب حركة الناقلات.

وتشير تقديرات نقلتها رويترز إلى أن إمدادات زيت الوقود المستخدم في السفن ومحطات الكهرباء قد تواجه عجزاً بنحو 218 ألف برميل يومياً خلال الربع الثالث، بينما انخفضت صادرات زيت الوقود من الشرق الأوسط بين مارس وأغسطس بنسبة تقارب 45% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وهذا مهم لأن نقص المنتجات المكررة يمكن أن يرفع تكاليف النقل حتى لو بقيت إمدادات الخام العالمية قادرة على الصمود.

بمعنى آخر، يمكن ألا ينقطع النفط، لكن يصبح تحويله ونقله واستخدامه أكثر تكلفة بكثير.

الأسواق العالمية تبدأ بإعادة التسعير

انعكست صدمة الطاقة أيضاً خارج أسواق النفط؛ فقد تعرضت الأسهم لضغوط مع تزايد القلق من التضخم، بينما واجهت عملات الدول المستوردة للطاقة ضغوطاً إضافية.

وفي الهند، على سبيل المثال، تدخل البنك المركزي وفق متعاملين لدعم الروبية مع اقتراب برنت من أعلى مستوياته في ستة أسابيع.

وفي أسواق الخليج أصبحت حركة الأسهم أكثر حساسية لأي خبر يتعلق بإيران أو هرمز أو منشآت الطاقة، مع تباين أداء البورصات الإقليمية تحت وطأة التصعيد.

هذه التحركات توضح أن الأزمة تجاوزت بالفعل حدود العقود الآجلة للنفط.

ما هو المؤكد؟

FACT: خام برنت بلغ أعلى مستوى له في ستة أسابيع وتجاوز خلال الجلسة 98 دولاراً قبل أن يتداول قرب 97 دولاراً، بينما اقترب الخام الأميركي من 93 دولاراً.

FACT: التصعيد الأميركي الإيراني والتهديدات المرتبطة بالملاحة والطاقة كانا من العوامل الرئيسية وراء ارتفاع الأسعار.

FACT: أوبك+ أبقت سياسة إنتاج أكتوبر دون تغيير.

FACT: أسواق الوقود الأميركية تعاني مخزونات محدودة في بعض المنتجات، بينما وصلت أسعار الديزل إلى مستويات قياسية.

ANALYSIS: لا يمكن حتى الآن مساواة ارتفاع السعر بحجم انقطاع فعلي في الإمدادات. جزء مهم من الحركة الحالية هو تسعير لاحتمال أن تصبح الأزمة أسوأ.

97 دولاراً ليست القصة الأخيرة

المفتاح في المرحلة المقبلة ليس أن يصل برنت إلى 97 أو 98 دولاراً، بل ما إذا كانت المخاوف ستتحول إلى فقدان طويل للإمدادات أو تعطيل مستمر للملاحة.

إذا ظلت الاشتباكات محدودة واستمرت الناقلات في العبور، قد تتراجع علاوة المخاطر سريعاً.

أما إذا اتسعت الهجمات على السفن أو منشآت الطاقة وتفاقمت القيود في هرمز، فسينتقل السوق من تسعير الخوف إلى تسعير النقص الحقيقي، وهنا يصبح سقف الأسعار أكثر صعوبة في التقدير.

وقد أشار محللو غولدمان ساكس إلى سيناريو يمكن أن يدفع النفط نحو 120 دولاراً للبرميل إذا استمرت الهجمات على حركة الشحن وأدت إلى اضطرابات أعمق.

الاقتصاد العالمي يقرأ الحرب هذه المرة عبر البرميل: وكلما اقترب الخطر من ناقلات النفط وممرات الخليج، أصبحت المسافة أقصر بين الصاروخ والتضخم، وبين المعركة وفاتورة المستهلك.

Exit mobile version