العرب والعالم

لبنان يسعى لاتفاق جديد مع صندوق النقد.. الفجوة المالية تبقى العقدة الحاسمة

عاد ملف الاتفاق بين لبنان وصندوق النقد الدولي إلى الواجهة، مع إعلان وزير المالية ياسين جابر أن بيروت تسعى إلى التوصل إلى اتفاق جديد على مستوى الخبراء مع الصندوق، بالتوازي مع زيارة رسمية إلى واشنطن ولقاءات مع إدارة صندوق النقد والبنك الدولي.

لكن التدقيق في المعطيات المتاحة حتى مساء الاثنين 28 أيلول/سبتمبر 2026 يُظهر أن اتفاقاً جديداً لم يُوقّع بعد، وأن ما يجري حالياً هو مرحلة تفاوض متقدمة يمكن أن تمهّد لاتفاق أولي جديد، فيما تبقى قضايا أساسية، في مقدمتها معالجة الخسائر المالية والودائع، عالقة قبل الانتقال إلى برنامج تمويلي كامل.

وقال جابر إن لبنان أنجز مرحلة مهمة من الإصلاحات، مشيراً خصوصاً إلى إقرار التشريعات المتعلقة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، معتبراً أنها تشكل رسالة إلى صندوق النقد بشأن استعداد السلطات اللبنانية للمضي في الإصلاحات. وأفادت رويترز بأن مصدراً مطلعاً على المفاوضات رأى أن اتفاقاً على مستوى الخبراء يمكن أن يتحقق سريعاً، في حين وضع مصدر آخر الاحتمال ضمن مهلة تمتد حتى نهاية العام.

إلا أن وزير المالية أوضح في تصريح نُشر مساء الاثنين أنه لن يتم توقيع اتفاق في ذلك اليوم، مؤكداً في المقابل استمرار العمل للتوصل إليه في وقت قريب. وهذا التفصيل مهم لأنه يفصل بين وجود تقدم فعلي في المفاوضات وبين الحديث عن اتفاق منجز بالفعل.

ماذا تغيّر فعلياً؟

التطور الأبرز مقارنة بالسنوات السابقة يتمثل في إحراز تقدم في ملف إعادة هيكلة المصارف.

وكان صندوق النقد قد أعلن في ختام بعثته إلى بيروت في 18 أيلول 2026 أن التعديلات التي أُقرت على قانون معالجة أوضاع المصارف تمثل خطوة مهمة في استراتيجية إعادة هيكلة القطاع المصرفي، مشيراً أيضاً إلى تقدم في إدارة المالية العامة وإعداد إطار مالي متوسط الأجل.

لكن الصندوق لم يعلن في بيانه التوصل إلى اتفاق جديد على مستوى الخبراء. بل قال إن المناقشات مع السلطات اللبنانية ستستمر بهدف تطوير برنامج إصلاحي شامل يمكن أن يحظى بدعم الصندوق.

وهذا يعني أن المسار تحرك إلى الأمام، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة البرنامج النهائي.

عقدة «الفجوة المالية»

العقبة الأكبر ما تزال القانون الذي يعالج الخسائر المتراكمة في النظام المالي، والذي يُشار إليه عادة باسم قانون الفجوة المالية، بينما يستخدم صندوق النقد تسمية قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع.

هذا القانون يفترض أن يحدد كيفية التعامل مع الخسائر وتوزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف ومساهميها ودائنيها والمودعين.

وكانت الحكومة اللبنانية قد قدرت في عام 2022 حجم الخسائر بنحو 70 مليار دولار، وفق رويترز، إلا أن هذا الرقم قد لا يعكس الحجم الحالي للخسائر بعد مرور أربع سنوات إضافية على الأزمة. لذلك لا يمكن التعامل معه كتقدير محدث لعام 2026.

والأهم بالنسبة إلى المودعين أن صندوق النقد شدد في أحدث بيان له على ضرورة احترام تسلسل تحمّل الخسائر، بحيث لا يتحمل المودعون خسائر قبل المساهمين وأصحاب الديون الأدنى مرتبة، مع ضرورة أن تكون أي آلية لاسترداد الودائع متوافقة في الوقت نفسه مع قدرة المصارف والدولة على الاستمرار مالياً.

وبالتالي، فإن الحديث عن اتفاق مع الصندوق لا يعني تلقائياً استعادة الودائع أو تحديد قيمتها ومواعيد سدادها؛ فهذه المسائل ستتوقف إلى حد كبير على الصيغة النهائية للقانون وعلى كيفية معالجة الخسائر.

ماذا حدث لاتفاق 2022؟

لبنان سبق أن توصل في 7 نيسان 2022 إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد بشأن برنامج يمتد 46 شهراً بقيمة تقارب 3 مليارات دولار.

لكن الاتفاق كان مشروطاً بتنفيذ مجموعة من الإجراءات المسبقة والحصول لاحقاً على موافقة إدارة الصندوق ومجلسه التنفيذي، وهي مراحل لم تكتمل، ولذلك لم يتحول اتفاق 2022 إلى برنامج تمويل نافذ.

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن اتفاق جديد بدلاً من مجرد استكمال اتفاق 2022؛ فالسلطات والصندوق يعيدان عملياً صياغة المسار على أساس الظروف الاقتصادية والمالية والتشريعات الحالية.

هل يعني الاتفاق المرتقب وصول الأموال إلى لبنان؟

ليس بعد.

هناك فرق أساسي بين ثلاث مراحل:

الأولى: التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بين الفريق اللبناني وموظفي صندوق النقد.

الثانية: استكمال القوانين والإجراءات والشروط المتفق عليها.

الثالثة: عرض البرنامج على المجلس التنفيذي لصندوق النقد والموافقة عليه، وهي المرحلة التي تفتح الطريق أمام برنامج تمويلي فعلي وصرف الأموال وفق المراحل والشروط المحددة.

وبالتالي فإن التوصل إلى اتفاق أولي جديد، إذا حدث، سيكون إشارة سياسية ومالية مهمة لكنه لن يعني تلقائياً حصول لبنان فوراً على قرض من صندوق النقد.

ماذا يريد الصندوق أيضاً؟

لا تقتصر مطالب صندوق النقد على المصارف.

ففي بيانه الأخير دعا إلى الحفاظ على الانضباط المالي، وإقرار إطار مالي موثوق متوسط الأجل، وتحسين الامتثال الضريبي، وضبط النفقات، وإيجاد مساحة لتمويل الحماية الاجتماعية وإعادة الإعمار، مع تجنب قرارات إنفاق لا تقابلها إيرادات مستدامة.

وهذا يعني أن أي برنامج جديد سيجمع على الأرجح بين إصلاح القطاع المصرفي، معالجة الخسائر والودائع، إصلاح المالية العامة، واستعادة استدامة الدين العام.

لبنان يسعى لاتفاق جديد مع صندوق النقد.. الفجوة المالية تبقى العقدة الحاسمة

نافذة جديدة.. لكن الاختبار في التنفيذ

المعطيات المتاحة تشير إلى أن المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد أصبحت أكثر نشاطاً مقارنة بمرحلة الجمود التي أعقبت اتفاق 2022، وأن إقرار أجزاء من التشريعات المصرفية أزال بعض العقبات التي كانت تعطل المسار.

لكن لا يزال من المبكر اعتبار أن لبنان أصبح أمام برنامج تمويلي جاهز.

الاختبار الحقيقي سيكون في الصيغة النهائية لقانون معالجة الخسائر واسترداد الودائع، وكيفية حماية المودعين، وقدرة الدولة والمصارف على تحمل حصتها من الخسائر، إضافة إلى الالتزام بالإصلاحات المالية المطلوبة.

لذلك فإن التطور الحالي يمكن وصفه بأنه فتح نافذة جدية أمام إعادة إطلاق الاتفاق مع صندوق النقد، لا اكتمال الاتفاق نفسه.

وحتى مساء 28 أيلول 2026، تبقى الحقيقة الأساسية واضحة: لبنان يسعى إلى اتفاق جديد على مستوى الخبراء، والمفاوضات متقدمة، لكن الاتفاق لم يُعلن رسمياً بعد، فيما يبقى قانون معالجة الفجوة المالية أحد المفاتيح الرئيسية للانتقال إلى برنامج كامل مع صندوق النقد الدولي.

المصادر: رويترز – صندوق النقد الدولي – تصريحات وزير المالية ياسين جابر المنشورة في 28 أيلول 2026.

mbc-news.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى