أسوشييتد
The Verificat + وكالات
كييف تحت قصف متواصل وضغوط متزايدة على السكان والخدمات
تشهد العاصمة الأوكرانية تكثيفاً في الهجمات الجوية الروسية التي امتدت أحياناً لساعات طويلة، ما ضاعف الضغط على الدفاعات الجوية والخدمات المدنية وجعل المواطنين يتعاملون مع إنذارات جوية متكررة خلال النهار والليل على حد سواء.
في موجة من أشرس أيام الهجمات الأخيرة، قالت وكالة أسوشيتد برس إن القصف استغرق أكثر من 12 ساعة متواصلة، في اليوم السادس على التوالي من هجمات جوية، وأسفر، وفق تقارير، عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً من بينهم ستة من عمال السكك الحديدية، وإصابة آخرين بينهم أطفال. وتقول السلطات الأوكرانية إن القوات الروسية استخدمت في هذه الهجمات صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيّرة متطورة، فيما امتدت الضربات إلى مناطق أخرى من البلاد.
ولا تدعم المعلومات المنشورة حتى الآن توصيف هجوم 7 سبتمبر 2026 تحديداً بأنه «أوسع هجوم روسي على كييف منذ بداية الحرب». لذلك يجب الفصل بين موجة القصف الحالية وبين هجمات سابقة وُصفت رسمياً بأنها الأكبر منذ بدء الغزو.
FACT: كييف تتعرض منذ أواخر أغسطس لسلسلة متواصلة من الهجمات الروسية، وبعضها استمر لساعات طويلة وأوقع قتلى وجرحى وأضراراً في منشآت ومبانٍ مدنية.
CLAIM: تقول موسكو إن عملياتها تستهدف منشآت عسكرية أو مرافق مرتبطة بالمجهود الحربي الأوكراني، بينما تؤكد كييف أن الهجمات تضرب بصورة متكررة أحياء سكنية وبنية تحتية مدنية.
تحول في نمط الهجمات: من ليلي إلى ضغط على مدار الساعة
لا يقتصر التغير الحالي على حجم الصواريخ والطائرات المسيّرة المستخدمة، بل يشمل أيضاً توقيت الهجمات، التي لم تعد تقتصر على الليل كما في مراحل سابقة من القصف.
هذا التحول أدى إلى تعطيل المدارس وحركة النقل والفعاليات العامة، ودفع السكان مراراً إلى الملاجئ أثناء العمل والدراسة والتنقل، كما فرض واقعاً جديداً على المستشفيات والعمليات الطبية.
وثقت رويترز حالات اضطرار طواقم طبية ونساء حوامل إلى التعامل مع إنذارات جوية متكررة خلال عمليات الولادة في كييف، وهو ما يظهر كيف باتت الحرب الجوية جزءاً من الحياة اليومية للعاصمة.
أبعاد استراتيجية: استنزاف الذخائر والوسائل الدفاعية
تصاعد الهجمات يعيد إلى الواجهة مسألة استنزاف الذخائر والقدرات؛ فموجات متكررة من المسيّرات والصواريخ قد تجبر كييف على استهلاك صواريخ اعتراضية مرتفعة الكلفة، مع إبقاء السكان والخدمات تحت ضغط دائم وتوزيع موارد الدولة بين الجبهة وحماية المدن.
في المقابل، تسعى أوكرانيا إلى إبقاء الأجهزة والمؤسسات الحكومية عاملة وصيانة شبكة الدفاع الجوي، وتأكيد أن حماية المجال الجوي لا تقتصر على البعد العسكري بل تتصل باستمرار الاقتصاد والتعليم والطاقة والخدمات الأساسية.
بهذه الصورة، يتحول كل هجوم واسع إلى معركة استنزاف مزدوجة: موسكو تنفق ذخائر هجومية، وأوكرانيا تستنزف صواريخ الاعتراض وقدرات الرصد والطواقم البشرية.

ضرب العاصمة يحمل دلالات سياسية ورمزية
استهداف كييف يختلف عن قصف مناطق قريبة من خطوط القتال. فالعاصمة تحتضن مؤسسات الدولة والبعثات الدبلوماسية، ووصول صواريخ ومسيّرات إلى قلبها يحمل رسالة تتجاوز الضرر المادي.
في الرابع من سبتمبر، أصابت طائرة مسيّرة روسية مقر جهاز الأمن الأوكراني SBU في وسط كييف، ما أدى إلى إصابة أشخاص، وفق السلطات الأوكرانية.
هذا الهجوم أبرز مرة أخرى قدرة بعض المسيّرات على اختراق طبقات الدفاع والوصول إلى منشآت حساسة داخل العاصمة، لكنه أيضاً يسلط الضوء على صعوبة التحقق الفوري من طبيعة الهدف المقصود: إصابة منشأة أمنية يمكن توثيقها، أما تحديد الغرض العملياتي الكامل للهجوم أو ما إذا كانت بقية الذخائر استهدفت أهدافاً عسكرية محددة فيحتاج إلى معلومات لا تكون متاحة فوراً.
الدفاع الجوي والطلب المتجدد على منظومات إضافية
مع ارتفاع وتيرة الهجمات، باتت الذخيرة الاعتراضية مادة حساسة بشكل متزايد لأوكرانيا. ويكرر الرئيس فولوديمير زيلينسكي مطالبة الحلفاء بتزويد كييف بمنظومات دفاع جوي إضافية، وعلى رأسها أنظمة باتريوت وصواريخ الاعتراض المرتبطة بها.
وخلال محادثات أجراها مسؤولون أميركيون في كييف في الأيام الأخيرة، عاد ملف الدفاع الجوي إلى مقدمة المطالب الأوكرانية، خصوصاً مع اقتراب موسم البرد.
المدافعون يواجهون معضلة: المسيّرات الرخيصة نسبياً يمكن استخدامها لاستنزاف الدفاعات وكشف مواقعها، ثم تتبعها صواريخ أسرع وأكثر تعقيداً. وتصبح عليهم مهمة تحديد أي الأهداف تُسقط، وبأي وسيلة، ومتى يحتفظون بالصواريخ الأعلى كلفة لمواجهة الأخطار الأخطر.
البنية التحتية والطاقة على محور المخاطر مع اقتراب الشتاء
مع قرب فصل الشتاء يتزايد القلق من ارتباط الحرب الجوية بشبكات الطاقة والتدفئة. تجارب السنوات السابقة أظهرت أن استهداف محطات كهرباء ومحطات تحويل يمكن أن يترك أثراً امتدادياً يتجاوز الخسارة المادية المباشرة.
تقارير من كييف تقول إن السكان يستعدون لاحتمال تفاقم الضربات خلال الشتاء وما قد يصاحبها من مشكلات في الكهرباء والمياه والتدفئة.
وبالتالي تتحول البنية التحتية إلى جزء من استراتيجية الحرب؛ فتعطيل عقد رئيسية بصورة متكررة قد يجعل العيش أصعب دون الحاجة إلى تدمير المدينة بأكملها.
التصعيد الجوي متزامن مع مساعٍ دبلوماسية هشة
المفارقة في التطورات أنها تتزامن مع محاولات دبلوماسية لتحريك مسار المحادثات. زار مبعوثون أميركيون كل من موسكو وكييف خلال الأيام الأخيرة في محاولة لإحياء محادثات قد تقود إلى وقف للحرب، لكن الاجتماعات لم تسفر حتى الآن عن اختراق واضح في القضايا الأساسية بينما استمرت العمليات العسكرية.
هذا التزامن يعكس واقعاً سياسياً مفاده أن الطرفين تفاوضان بينما يسعيان في الوقت نفسه إلى تحسين موقفهما الميداني.
فكل ضربة روسية واسعة يمكن أن تُقرأ كضغط على كييف وحلفائها، فيما تُعد الهجمات الأوكرانية داخل روسيا جزءاً من مسعى لرفع كلفة الحرب على موسكو.
أوروبا على مفترق قرار بشأن الإمدادات الدفاعية
كل تصعيد كبير يثير في العواصم الأوروبية أسئلة متكررة: هل تُرسل أنظمة دفاع جوي إضافية؟ هل تُسرّع الإمدادات من الذخائر؟ وهل تملك الصناعات الدفاعية القدرة على تعويض المخزونات بالسرعة المطلوبة لحرب استنزاف طويلة؟
تكمن المشكلة في أن زمن المعركة أسرع بكثير من زمن الإنتاج والتوريد الصناعي والسياسي؛ فمئات المسيّرات قد تُطلق خلال أيام، بينما يتطلب تصنيع صاروخ اعتراضي متطور تمويلاً وتدريباً ونقلاً وقتاً أطول.
ANALYSIS: هذه الفجوة الزمنية أصبحت أحد أهم عناصر الاستراتيجية الروسية. فنجاح موسكو لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تصيب أهدافها، بل أيضاً بكمية الموارد الدفاعية التي تضطر أوكرانيا وحلفاؤها إلى إنفاقها لمنع تلك الصواريخ من الوصول.
التحقق العلمي والحقائق الممكن اثباتها
التحقق في سياق الحرب يواجه تعقيدات كبيرة: صور المباني المحترقة تثبت وقوع الضرر لكنها لا تحدد نوع الذخيرة أو الهدف المقصود تلقائياً، وشظايا الصواريخ والمسيّرات تحتاج إلى تصوير واضح وتحديد جغرافي وسلسلة تحقق موثوقة لتحديد نوع السلاح.
كما قد تتسبب أجزاء من صاروخ اعتراضي أو طائرة مسيّرة بعد اعتراضها بأضرار أرضية، ما يجعل التمييز بين ضربة مباشرة وحطام الاعتراض جزءاً أساسياً من التحقيق.
وبناءً على ذلك، يجدر فصل ثلاث طبقات في التغطية:
FACT: ما يمكن إثباته من موقع الضربة والحصيلة والصور والبيانات التي تتقاطع عليها مصادر متعددة.
CLAIM: ما تقوله روسيا أو أوكرانيا عن طبيعة الهدف أو نجاح الاعتراض أو الخسائر العسكرية للطرف الآخر.
ANALYSIS: الاستنتاج المتعلق بالهدف الاستراتيجي للهجوم أو أثره على مسار الحرب.
عودة دور المدن كجبهات في حرب بعيدة المدى
الأحداث في كييف تبيّن أن المسافة بين الجبهة وأماكن الحياة المدنية ليست عائقا في حرب تعتمد على أسلحة بعيدة المدى. العاصمة لا تقع على خط الاشتباك المباشر، لكنها تعيش إنذارات متكررة وتعطلات لمدارسها ووسائل نقلها ومستشفياتها تحت تهديد الصواريخ والمسيّرات.
وبذلك يصبح السؤال بعد كل هجوم أوسع ليس فقط عدد الذخائر التي أطلقتها روسيا، بل قدرة أوكرانيا على المحافظة على الحياة الطبيعية والدفاع الجوي والبنية التحتية في وقت واحد.
كييف أصبحت بهذا المعنى جبهة أخرى للحرب: جبهة لا تتحرك فيها الدبابات، لكنها تُقاس بصفارات الإنذار، وصواريخ الاعتراض، وقدرة ملايين المدنيين على مواصلة حياتهم تحت السماء المفتوحة للحرب.



