
بحسب
بيروت | 13 سبتمبر 2026 | 21:49 | The Verificat + رويترز وBMKG وكوبرنيكوس
تحولت حرائق الغابات والأراضي الخثية في إندونيسيا من أزمة بيئية إلى حالة صحة عامة واسعة، بعدما تضاعف عدد الإصابات التنفسية المرتبطة بالدخان خلال أكثر قليلاً من أسبوع، بالتزامن مع استمرار آلاف البؤر الساخنة في كاليمانتان وسومطرة وانتقال الضباب الدخاني إلى مناطق ودول مجاورة.
وأظهرت بيانات وزارة الصحة الإندونيسية التي نقلتها رويترز أن عدد الأشخاص المصابين بأمراض تنفسية مرتبطة بتلوث الهواء الناتج من الحرائق بلغ 113,336 شخصاً حتى 9 سبتمبر، مقارنة بـ50,891 في الأول من الشهر، أي أكثر من الضعف خلال ثمانية أيام.
كما تعرض أكثر من 12.5 مليون شخص في سبع مقاطعات للضباب الدخاني، فيما دفعت السلطات بنحو مليون كمامة ومئات أجهزة تركيز الأكسجين وآلاف العاملين الصحيين إلى المناطق الأكثر تضرراً.
أكثر من 62 ألف حالة إضافية خلال ثمانية أيام
تكشف الزيادة السريعة في الإصابات أن أثر الحرائق لم يعد محصوراً في مناطق الاشتعال.
فالخطر الصحي ينتقل مع الدخان والجسيمات الدقيقة إلى المدن والمناطق السكنية، ما يرفع الضغط على المرافق الصحية حتى في مواقع قد تكون بعيدة نسبياً عن بؤر الحريق الرئيسية.
ولا تعني أرقام الإصابات أن جميع الحالات متطابقة في شدتها، لكنها تقدم مؤشراً واضحاً إلى اتساع العبء الصحي المرتبط بتدهور جودة الهواء.
كاليمانتان وسومطرة في قلب النشاط الحراري
قدمت هيئة الأرصاد والمناخ والجيوفيزياء الإندونيسية BMKG صورة أحدث لخريطة النشاط الحراري خلال الفترة بين 11 و17 سبتمبر.
وسجلت الهيئة أعلى تركيز للبؤر الساخنة عالية الثقة في أربع مناطق رئيسية:
وسط كاليمانتان: 2,526 بؤرة ساخنة
غرب كاليمانتان: 2,102 بؤرة
جنوب سومطرة: 1,180 بؤرة
جنوب بابوا: 570 بؤرة
وتعكس هذه الأرقام استمرار خطر الحرائق في مساحات واسعة، لكنها لا تمثل مساحة الأراضي المحترقة ولا يمكن تحويلها مباشرة إلى هكتارات.
البؤرة الساخنة هي إشارة حرارية يرصدها القمر الصناعي وتستخدم لتحديد مناطق الاشتباه أو النشاط، وليست بالضرورة حريقاً مستقلاً.
الدخان ما زال ظاهراً من الفضاء
أظهرت صور القمر الصناعي Himawari-9 في 10 سبتمبر انتشار الدخان في أجزاء من سومطرة وكاليمانتان وبابوا.
وربطت BMKG استمرار الضباب الدخاني بجفاف الغلاف الجوي خلال موسم الجفاف، رغم وجود فرص لهطول أمطار محلية في عدد من المناطق.
لكن الأمطار المتقطعة لا تضمن انتهاء الحرائق، خصوصاً في الأراضي الخثية، حيث يمكن للنيران أن تستمر تحت سطح التربة بعيداً من اللهب الظاهر.
وقد تعود هذه الحرائق إلى إنتاج كميات كبيرة من الدخان حتى بعد فترات هدوء مؤقتة.
الخث يحول الحريق إلى أزمة مناخية
الأراضي الخثية تجعل الأزمة الإندونيسية أكثر تعقيداً من حرائق الغابات التقليدية.
فالخث يحتوي على كميات كبيرة من الكربون المتراكم عبر فترات زمنية طويلة، وعندما يجف ويحترق لا يطلق الدخان والجسيمات الدقيقة فقط، بل كميات كبيرة من غازات الدفيئة.
ولهذا فإن احتراق الخث يمثل في الوقت نفسه مشكلة محلية لجودة الهواء ومصدراً مهماً للانبعاثات الكربونية.
كما أن بعض الحرائق قد تستمر تحت الأرض، ما يجعل رصدها وإخمادها أكثر صعوبة.
19.7 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون خلال أسبوع
أظهرت بيانات خدمة Copernicus Atmosphere Monitoring Service أن انبعاثات حرائق إندونيسيا بين 1 و7 سبتمبر بلغت نحو 19.7 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون.
ومثلت هذه الكمية أكثر من ثلث انبعاثات حرائق العالم خلال الفترة نفسها، فيما جاءت أعلى بنحو 273% من المتوسط الموسمي.
هذا الرقم لا يقيس جودة الهواء الذي يتنفسه السكان، بل حجم الانبعاثات الناتجة من الاحتراق وتأثيرها المناخي.
بونتياناك تسجل مستوى خطراً من تلوث الهواء
في مدينة بونتياناك بغرب كاليمانتان، وصل مؤشر جودة الهواء إلى 394 وفق قياس نقلته رويترز عن IQAir، وهو مستوى يدخل ضمن النطاق الخطر.
وتشكل الجسيمات الدقيقة PM2.5 العنصر الأكثر أهمية صحياً في دخان الحرائق، لأنها صغيرة بما يكفي لاختراق أعماق الجهاز التنفسي.
ويزداد خطر التعرض لدى الأطفال وكبار السن ومرضى القلب والربو وأمراض الجهاز التنفسي، إضافة إلى الحوامل والفئات التي تتعرض للدخان لفترات طويلة.
ولهذا فإن تحسن الرؤية أو انخفاض عدد البؤر الساخنة لا يعني بالضرورة أن الخطر الصحي انتهى إذا بقيت الجسيمات الدقيقة عالقة فوق المناطق السكنية.
الأزمة تعبر الحدود
لم يبق أثر الحرائق داخل إندونيسيا.
فقد سجلت مناطق في سنغافورة وماليزيا تدهوراً في جودة الهواء مع انتقال الدخان عبر الحدود، ما أعاد إلى الواجهة نمطاً متكرراً في جنوب شرق آسيا خلال مواسم الحرائق الكبرى.
وتعتمد حركة الدخان على اتجاه الرياح وارتفاع الغلاف الجوي وموقع البؤر النشطة، ولذلك قد تتأثر مناطق بعيدة من مواقع الاشتعال الرئيسية.
اليابان تنضم إلى عمليات الإطفاء
اتساع الحرائق دفع إلى تدخل دولي مباشر.
وأرسلت اليابان ثلاث مروحيات CH-47 Chinook للمساهمة في عمليات قصف المياه، إلى جانب نحو 180 فرداً لدعم جهود مكافحة الحرائق.
وتعمل السلطات الإندونيسية في الوقت نفسه بعشرات الطائرات وفرق أرضية كبيرة، إضافة إلى عمليات تلقيح السحب ومحاولات الوصول المباشر إلى حرائق الخث.
لكن طبيعة الأراضي المتضررة وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق تجعل السيطرة الكاملة عملية معقدة وطويلة.
ثلاثة مؤشرات يجب عدم خلطها
تحتاج قراءة الأزمة إلى الفصل بين ثلاثة مؤشرات مستقلة.
البؤر الساخنة تقيس إشارات النشاط الحراري وتساعد في تحديد مواقع الخطر.
PM2.5 ومؤشرات جودة الهواء تقيس مستوى التعرض الصحي للسكان.
أما انبعاثات كوبرنيكوس فتستخدم لتقدير حجم الغازات الناتجة من الحرائق وتأثيرها المناخي.
وقد ينخفض أحد هذه المؤشرات بينما يبقى الآخر مرتفعاً.
فمن الممكن مثلاً أن يتراجع عدد البؤر النشطة بينما يستمر الدخان محصوراً فوق المدن، أو أن تستمر حرائق الخث تحت سطح الأرض بعد تراجع اللهب الظاهر.
الجفاف وإل نينيو يرفعان المخاطر
ترتبط شدة موسم الحرائق الحالي بظروف جفاف وحرارة قوية في المنطقة، بالتزامن مع تأثيرات إل نينيو.
وقد ساعدت هذه الظروف على تجفيف الغطاء النباتي والأراضي الخثية وزيادة قابلية الاشتعال.
وتتوقع BMKG فرص أمطار محلية خلال الفترة حتى 17 سبتمبر، لكن هذه الأمطار لا تعني بالضرورة نهاية الأزمة.
فالتحسن الحقيقي يحتاج إلى هطول كافٍ ومستمر، إلى جانب إخماد حرائق الخث العميقة وانخفاض مستويات الجسيمات الدقيقة في الهواء.

لماذا يهم؟
لأن الأزمة تجمع في وقت واحد بين الصحة العامة والمناخ والاقتصاد والتعليم والنقل والتلوث العابر للحدود.
ومضاعفة عدد الإصابات التنفسية خلال ثمانية أيام تؤكد أن الكلفة البشرية يمكن أن تتصاعد بسرعة حتى قبل حسم المساحة النهائية التي احترقت.
أما المؤشرات الأساسية التي يجب مراقبتها بعد وقت الإغلاق فهي: PM2.5، وعدد البؤر الساخنة، وكميات الأمطار، وتطور الإصابات التنفسية، وانبعاثات الحرائق، وقدرة فرق الإطفاء على الوصول إلى حرائق الخث العميقة.
وأي انخفاض في عدد البؤر الساخنة وحده لا يكفي لإعلان السيطرة على الأزمة ما لم يترافق مع تحسن مستدام في جودة الهواء وتراجع الإصابات الصحية وانخفاض الانبعاثات.
المصادر: رويترز، 9 و10 سبتمبر 2026؛ هيئة الأرصاد والمناخ والجيوفيزياء الإندونيسية BMKG، توقعات 11–17 سبتمبر 2026؛ Copernicus Atmosphere Monitoring Service.
أُعدّ هذا التقرير وفق أحدث البيانات المتاحة وقت التحرير، مع الفصل بين البؤر الحرارية، والتعرض الصحي، والمساحات المحترقة، والانبعاثات المناخية باعتبارها مؤشرات مختلفة لا يجوز دمجها في مقياس واحد.



